جولة ميدانية في أقدم مدن العالم “أريحا” للتعرف على المواقع الأثرية وفن الفسيفساء

0 27

تعتبر مدينة أريحا من أقدم مدن العالم، تقع على بعد 7 كم غربي نهر الأردن و 10 كم شمال البحر الميت وثلاثين كم إلى الشرق من مدينة القدس، يعود أصل تسمية أريحا قبل الفتوحات الإسلامية، وأريحا عند الكنعانيين تعني القمر، والكلمة مشتقة من فعل يريحو “yereho” وتعني في لغة جنوبي الجزيرة العربية شهر أو قمر، أما بالسريانية تعني الرائحة والأريج.

مدينة أريحا تقع على مستوى 250 متراً تحت سطح البحر، ولا يمثلها أي مدينة أخرى في العالم، وهي مدينة كنعانية قديمة، يعدها الخبراء الأثريون أقدم المدن على الإطلاق حيث يرجع تاريخها إلى العصر الحجري ما قبل 11 ألف سنة، أي حوالي قبل الألف الثامن قبل الميلاد، وفي العصر البرونزي الأوسط نمت أريحا كمركز حضري كبير متمثلة بقصورها، ونظام التحصين، والمقابر، فعلى مساحة 20كم مربعاً تتركز بعض أهم المواقع الأثرية والتاريخية والدينية، ومن بينها جبل التجربة، قصر هشام، عين السلطان ونبع اليشا، شجرة زكا ” الجميز “، دير سان جورج ( وادي القلط )، قصر هيرودوس الشتوي ، كهوف قمران، البحر الميت، وأرضيات الفسيفساء الموجودة في قصر هشام وجدارية الفسيفساء في دير حجلة.

أرضية الفسيفساء في قصر هشام

فسيفساء قصر هشام في مدينة أريحا تعتبر أكبر وأهم أرضية فسيفسائية أثرية على مستوى العالم والتي تعود إلى الفترة الأموية، اكتُشفت هذه اللوحة في ثلاثينيات القرن العشرين وكانت مغطاة تحت طبقات من التراب، وبقيت كذلك لحمايتها من التأثيرات المناخية، إلى أن بدأت عمليات الترميم قبل بضعة أسابيع.

إياد حمدان مدير عام السياحة والآثار في مدينة أريحا يقول بأن المساحة الأرضية الفسيفسائية تبلغ نحو 827 متراً مربعاً، وتتكون من 38 سجادة ملونة ومتنوعة الشكل واللون وبأشكال هندسية ونباتية مختلفة.

وأوضح حمدان أن هذه اللوحة مستلهمة من الفن الفسيفسائي البيزنطي والإسلامي وتم اكتشافها في ثلاثينيات القرن الماضي ولكن هذه الأرضية كانت مغطاة تحت الأتربة والرمال منذ الفترة الأموية، ويعود سبب تغطيتها إلى الزلزال الذي أصاب فلسطين عام 749 ميلادي وكانت أريحا مركزه، وهدم الكثير من المباني التاريخية ومن ضمنها قصر هشام، وبالتالي بقيت أرضية القصر مغطاة بالرمال والأتربة لغاية ثلاثينات القرن الماضي، وبالذات منطقة الحمامات التي يوجد فيها الأرضية الفسيفسائية التي تم كشفها.

يضيف حمدان بأن هذه الأرضية الفسيفسائية تعد أحد أجمل اللوحات الفنية في العالم، تُعرف بإسم “شجرة الحياة”، وهي عبارة عن شجرة برتقال تحتها موجود رسم بالفسيفساء، ومن أهم الأشكال الموجودة على هذه الأرضية صورة الأسد الذي يفترس الغزال على الجهة اليسرى وعلى الجهة اليمنى لشجرة البرتقال يوجد رسم لغزالين يعيشان بسلام، وهذه الصورة تمثل الحياة بخيرها وبشرّها وبظلمها وعدلها.

يشير حمدان بأن شجرة الحياة موجودة في قاعة الديوان إحدى أكبر الغرف الموجودة في قصر هشام، وكان آنذاك الخليفة الأموي يستقبل فيها كبار الضيوف من الملوك كملك الفرس وملك الروم.

يؤكد حمدان بأن هذه الأرضية الفسيفسائية تعد أكبر أرضية متصلة في العالم، ويوجد فيها نحو 38 سجادة فسيفسائية مستقلة تمثل كل سجادة فكرة معينة يُعبر عنها بأشكال هندسية ونباتية جميلة كالغزلان والأسود والطاووس الكبير وغيرها من الرسومات الجميلة، ويضيف حمدان بأن عمليات الترميم لهذه الأرضية مستمرة، وخلال الأشهر القليلة القادمة سوف يكون هناك سقف لهذه الأرضية الفسيفسائية من أجل الحفاظ عليها.

الحفاظ على الأرضية الفسيفسائية وترميمها أهم الخطوات التي تقوم بها وزارة السياحة والآثار، لذلك التقينا بالسيد نضال الخطيب أثناء ترميمه للأرضية الفسيفسائية وقال بأن هناك بعض المشاكل في هذه الأرضية ومنها تفكك حبات الفسيفساء وإنتفاخات وأملاح في بعض المناطق، ويقول بأن الوظيفة الأساسية التي يقوم بها الخطيب في المكان هي تثبيت حبات الفسيفساء على سند شيدي قوي من أجل الحفاظ على جمالية هذه الأرضية الفسيفسائية.

أثناء التجول في قصر هشام التقينا بالزائر محمد حوامده، الذي أشار إلى أن فسيفساء قصر هشام تتميز بتقنية عمل عالية الدقة ويوجد فيها زخارف جميلة وتنسيق بالألوان، ويضيف بأن هذا المكان من أكثر الأماكن من حيث الجمال المستمد من التاريخ والحضارة في فلسطين، وأن الأرضية الفسيفسائية الشهيرة الموجودة في القصور الأموية في بادية الشام كقصر هشام، جاءت لتقول بأن  فلسطين بتاريخها وبالآثار التي تحتضنها هي متحف وإرث حضاري عريق يشهد له كل العالم.

أكبر جدارية فسيفساء في دير حجلة

في رسالة حب وسلام وتعايش تبرز قيمة دينية وثقافية وحضارية للهوية الوطنية الفلسطينية، دأب عشرات الخبراء والعمال على مدار ست سنوات على رسم أكبر جدارية فسيفساء لتزين واجهة دير حجلة الواقع في مدينة أريحا.

هذه الجدارية التي تحيي فن الفسيفساء “الموزاييك” تعد ذات قيمة تاريخية ودينية تصور الحياة قبل 1500 عام في بلاد الشام ومصر.

الأب “خريستو” المسؤول بدير حجلة يقول بأن العمل يجري حالياً على قدم وساق، لإنجاز مشروع أكبر خارطة فلسطينية فسيفسائية، لتضفي جمالاً ورونقاً خاصاً على الدير القديم والتاريخي، الذي بناه القديس “غراسيموس” العام 455 بعد الميلاد، حيث أقيم على أنقاض المغارة التي ارتاحت فيها مريم العذراء، خلال رحلتها من مدينة الناصرة، إلى بيت لحم.

القصة بدأت بفكرة تحويل خارطة مأدبا المرسومة كاملة إلى نسخة فسيفسائية مكبرة بمساحة 90 متراً مربعاً، محمد كراجة يعمل لدى وزارة السياحة والآثار، يقول بأن جدارية الفسيفساء الموجودة في دير حجلة هي أكبر جدارية في العالم، وهي جزء من مسرح إسكندر الكبير وتحتوي على المناطق التي سيطر عليها إسكندر المقدوني في المنطقة، وتم بدء العمل فيها منذ عام 2010 حتى الوقت الحالي.

يضيف كراجه بأن تنفيذ الفكرة ليس بالسهولة المتوقعة لصعوبة فن الفسيفساء وحاجته للدقة والصبر، فعملية رص الأحجار الملونة الدقيقة التي تجاوز عددها المليون حجراً استغرق ست سنوات من العمل على قدم وساق لإتمام اللوحة على أكمل وجه.

محمود فرحة، مسؤول معمل صناعة الفسيفساء داخل دير حجلة يقول بأن هذه الصناعة تحتاج إلى دقة في العمل حيث يتم الحصول على الصخور الطبيعية، ويتم تقطيعها إلى قطع صغيرة على شكل مكعبات، ثم يتم رسم الخارطة ويتم رصّ الحجارة وصبها بالطريقة المرسومة على الخارطة، وتحتوي اللوحات على رسومات وأشكال وأماكن قديمة وكنائس وماعز ونخيل.

مدينة القمر والنخيل أريحا أقدم مدن العالم التي تعد وجهة للسياح من كل نحو وصوب أضافت معلماً جديداً بهذه الجدارية التي تجذب السياح اليها، التقينا بأحد الزائرين الذي يعتبر خارطة الفسيفساء من أجمل المشاهد التي شاهدها في هذا المكان، والتي تعبر عن التاريخ والحضارة القديمة التي بنيت بأيادٍ فلسطينية.

دير قرنطل

يعد دير قرنطل تحفة معمارية تاريخية له مكانة دينية مرموقة لدى المسيحيين، حيث يقع على ارتفاع  350 متراً فوق سطح البحر في مدينة أريحا، وتنفتح أمام شرفاته مناظر أّخاذة على نهر الأردن والبحر الميت.

في هذا الدير أمضى السيد المسيح عليه السلام 40 يوماً وليلة صائماً ومتأملاً.  للحديث عن التسمية يقول محمد حمدان الذي يعمل في الدير منذ عشرين عاماً بأنه يسمى بجبل الأربعين نسبةً للغار الذي يوجد فيه وإسمه غار الأربعين، حيث لجأ له أربعين راهباً من مدينة أريحا هربًا من بطش الإمبراطور البيزنطي “يوليانس” الذي اعتلى عرش السلطة، وكان وثنيًا فأخذ يُلاحق المسيحيين في بلاده.

يعتبر دير قرنطل أحد أهم المعالم السياحية في مدينة القمر والنخيل.  محمد منصور يعمل لدى وزارة السياحة والآثار في مدينة أريحا، يقول بأن لهذا الدير أهمية دينية لدى المسيحيين ويأتي الحجاج المسيحيون إليه بعد زيارتهم لكنيسة القيامة وكنيسة المهد، ويعد من أقدس الأماكن الدينية لدى المسيحيين في فلسطين، حيث يحتوي الدير على كنيسة وطاحونة قمح قديمة وعدد من الكهوف الكبيرة .

مئات السائحين يتوافدون إلى مدينة أريحا يومياً لزيارة دير قرنطل لأهميته الدينية والتاريخية، إضافة إلى كونه أحد العجائب المعمارية التي تجذب الأنظار إليها، لأنه معلّق بطريقة منسجمة مع صخور المنحدر.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

المصدر 

تعليقات فيس بوك

اضافة تعليق

Loading...