ما بين المذنبون وThe Dreamers، الجنس كأداة لفساد وتحرير الشعوب

0 32

في العام 1977، قام المخرج سعيد مرزوق بإخراج فيلم عن قصة لنجيب محفوظ وسيناريو لممدوح الليثي بعنوان “المذنبون”، مستعرضًا فيه رؤيته للمجتمع المصري بعد الحرب والفساد الذي ساد بعد انتهاج ما سمي بسياسة “الانفتاح الاقتصادي”.

وفي العام 2003، قام المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي بإخراج فيلمه الأشهر “الحالمون The Dreamers مستلهمًا إياه من مظاهرات الطلبة في الجامعات الفرنسية أو ما أطلق عليه إعلاميًا “أحداث مايو 1968” والتي غيرت وجه أوربا، وامتد تأثيرها إلى العالم أجمع.

ما بين “المذنبون” و”الحالمون” ثمة تشابهات واختلافات متعددة ولكن الرابط بينهما من وجهة نظري، هو الجنس، أو استخدام الجنس كأداة للغوص نحو مضمون الفيلم، فكيف من الممكن أن يكون الجنس إشارة لحرية الشعوب وتطهيرها، وفي المقابل إشارة لفساد الشعوب ودنس المجتمعات.

فيلم المذنبون

في الفيلم المصري والذي أنتج قبل الفيلم ذو الإنتاج الفرنسي والأمريكي والإيطالي المشترك بنحو ربع قرن نجد أن المخرج سعيد مرزوق قد استخدم شخصية الممثلة سناء كامل كمرآة يرى فيها انعكاس مجتمع ما بعد الحرب وما بعد إطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي والتي يرى أغلب الناس أنها كانت وبالاً على المجتمع المصري، ويرصد سعيد مرزوق التغيرات الناتجة عن هذه السياسات الانفتاحية متزامنة مع هجرة المصريين لتعمير دول الخليج المتعطشة للعمران والبناء والتنمية في جميع المجلات بعد اكتشاف البترول أسفل أقدام مواطنيها وعودة هؤلاء المهاجرين محملين بأخلاقيات جديدة ومبادئ جديدة لا تعرف سوى “المال” أساسًا لها.

فيلم المذنبون لنجيب محفوظ

ومنذ تتر الفيلم الذي يقدم أبطاله كمتهمين في قضية مقتل الممثلة سناء كامل، النجمة صارخة الأنوثة والفتنة والإثارة، والتي بسبب أنوثتها الطاغية يتجمع حولها الرجال ويحيطونها طمعًا في الاغتراف من أنوثتها، منقادين بشهوة عمياء نحوها، وبعد حفل صاخب في شقتها انتهت بمقتل الممثلة يتجمع فيها هؤلاء المتهمون الذين تدور حولهم الشكوك لكشف “المذنب” الحقيقي، نجد أن المكان الذي كان فيه كل متهم وقت وقوع الجريمة، هو قيامه بجريمة أخرى… صحيح أنها أخف من القتل، ولكنها تكشف على شريحة ميكروسكوبية من مجتمع كبير يغوص بأكمله في الفساد والتردي الأخلاقي والفساد، لنكتشف أن الجريمة التي كانت تبحث عن مذنب واحد… كشفت عن مجتمع كامل يعيش فيه “المذنبون”.

فيلم الحالمون

أما في فيلم برتولوتشي، فالمدخل هنا سينمائي أيضًا، من خلال عشق الأفلام، يتعرف طالب أمريكي يبدو أنه ينتمي لعائلة محافظة، على توأمين لوالدين شاعرين، قد ربيا الابن والابنة على مفاهيم الحرية المطلقة والانفتاح والفن والحلم والموسيقى، وما بين مجتمع ماثيو المحافظ، ومجتمع ثيو وإيزابيل المتحرر المنفتح، تحدث المفارقة، ولكن المفارقة هنا ليست انزعاج من ماثيو، بل تناغم… تناغم مع ما كان يرنو إليه ويشاهده في السينما كثيرًا ويحلم أن يعيش فيه، ومثلما كان الجنس إحدى لوازم سعيد مرزوق لتحريك فيلمه وإثارة مجتمع “المذنبون”، فإن الجنس أيضًا إحدى لوازم برتولوتشي لتحريك أحداث فيلمه “الحالمون” وتأصيل صفة الحلم فيهم وتحررهم من كافة أشكال الكبت والحرمان وأهمها الحرمان الجنسي.

فيلم The Dreamers

فبعد أن يعيش الثلاثة في منزلٍ واحد في ظل سفر الأب والأم، يحدث هنا مداعبات للرغبة الجنسية.. يصبح الجنس إحدى متع الحياة، لا ناتج غريزي من نواتج الشهوة، الجنس في الحالمون نراه خفيفًا متطايرًا حالمًا حقًا، تحتك الأجساد ببعضها دون أن تترك أثرًا، نكتشف أن هناك مستويات عدة للشهوة ورؤى مختلفة، الأجساد العارية أو المتلاحمة لا تعني الشهوة، وجود ثلاثة أشخاص يستحمون في بانيو واحد لا يثير الشهوة، إنها إحدى نواتج الحلم، السيطرة على الجسد، والسيطرة على استخداماته وتوقيت هذا الاستخدام، ومع ذلك فإن ثيو يلطخ بدم غشاء بكارة إيزابيل وجه ماثيو، مطهرًا به عقله من الانغلاق والتزمت، من صدمته ولوثته الأخلاقية جراء الاحتكاكات الجسدية بين ثيو وإيزابيل لدرجة أنهما يخلدان إلى النوم عرايا متلاحمين، وحيرته عما إن كانا التوأمان يمارسان الجنس أم لا، هذا المشهد العبقري من وجهة نظري (حيث يلطخ ثيو وجه ماثيو بدم إيزابيل) من أجمل المشاهد التي رأيتها في تاريخ السينما، كيف بدا الجنس شيئًا – في ذاته – كغاية بعيدًا كل البعد عن الانطباع النمطي السائد المحاط بالخطيئة والإثم، ليصبح إحدى أدوات الحلم والتحرر والتمتع بالحياة!

الرابط بين الفيلمين

إن الرابط بين الفيلمين من وجهة نظري هو الحراك المجتمعي… ذلك الذي حدث بعد عصر الانفتاح في مصر وأدى إلى فساد إداري وفساد مجتمعي نتج عن ذلك التردي الأخلاقي والذي كان إحدى أهم عناصر هذا التردي هو الجنس… بمفهومه الآثم من خيانة جنسية وغرق في بحر الشهوة المحرمة وتعدد العلاقات الجنسية والانقياد الأعمى نحو الرغبة وما يترتب عليه من تفشي الرذيلة وانتشار الفساد والجريمة.

والحراك المجتمعي أيضًا في فرنسا في عام 1968 حيث سعي الطلبة والشباب إلى صياغة مفاهيم جديدة أكثر ملائمة لعصرهم خارجة عن تقاليد المجتمع المنغلق وعاداته وأفكاره التي عفا عليها الزمن، متحررة من السلطة الأبوية للمجتمع ورافضة للوصاية بجميع أشكالها حتى وإن كان من أب متحرر تمامًا يتمنى ماثيو لو كان له أبًا مثله، حتى أن التوجيه أو إبداء الرأي في أفكار الأبناء يصبح نوع من الوصاية الإلهية كما شبّه ثيو والده حينما حاول يناقش أفكار أبناءه الذين يريدون أن يغيروا العالم دون أن يلاحظوا أنهم جزءًا منه.

وأهم أشكال رفض الوصاية الأبوية للمجتمع، رفض النظرة الآثمة للجنس كخطيئة والنظر للجنس نظرة إنسانية خالصة، وللجسد كإحدى مظاهر التعبير عن جوهر الإنسان، جزء لا يتجزأ عن هذا الجوهر ولا ينفصل عنه.

عامل واحد وتناول مختلف

في “المذنبون” نرى أن مشاهد الجنس على إثارتها وتوصيلها المفهوم الشهواني لا سيما وأن من قامت بها هي إحدى أيقونات الإغراء في السبعينات “سهير رمزي” تؤصل لمفهوم الخطيئة في المجتمع الفاسد الذي نخر العظام فساده ووصل إلى أعماقه، بينما في الحالمون فإن الجنس فيه طائرًا حرًا طليقًا بأجساد ريانة جميلة الصفة الأدق لها، جميلة أكثر منها مثيرة، وهذا ما يشير له برتولوتشي حينما تقوم إيزابيل (إيفا جرين) بمحاكاة تمثال فينوس إلهة الجمال مطلقة انبهار ماثيو والذي كان لا يرى من الجسد سوى بعده الواحد المنحصر في الشهوة تقريبًا.

يغلف المذنبون الحس البوليسي لأن خلفيته في الأساس بحث رجال الشرطة عن مفتاح لحل جريمة قتل، أما الحالمون فهو سينما في إطار السينما، السينما هي ما تغلفه، وكأن الفيلم بأكمله هو تحية لهذا الفيلم العظيم ولرموزه الخالدة، وكأن الحالة المثالية التي يعيشها أبطاله تأتي من تأثير السينما عليهم ورغبتهم في صنع عالم تتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين الواقع والسينما وبناء عالم مثالي يكون صالحًا لأن يعيش فيه الحالمون.

عن التلقي النقدي والجماهيري للفيلمين فإن المذنبون قد أثار ضجة أكبر، صحيح أنه قد لاقى نجاحًا نقديًا وإشادة من غالبية النقاد لاسيما وأنه قد عرض في افتتاحية مهرجان القاهرة السينمائي، إلا أنه بسبب مشاهد الجنس الجريئة في الفيلم وقتها، والتي جعلت الرئيس السادات شخصيًا يتدخل ليتم رفع الفيلم من السينمات وإحالة موظفي الرقابة الذين أجازوه للعرض إلى المحاكمة، أما المذنبون فإنه قد أثار الجدل عند عرضه وتباينت ردود الأفعال بين الإشادة والهجوم، وتقريبًا تجنبته المهرجانات والجوائز، باستثناء مهرجان الفيلم الأوربي، ولكن لا أحد ينكر قيمة الفيلم وأهميته.

وعمومًا، أنا أعتبر الفيلمين من أفلامي المفضلة، ولاحظت الرابط العجيب بينهما، حتى بين عناوين الفيلمين، ولا ريب أن هذا الرابط لم يكن مقصودًا على الإطلاق… ولكن هذا هو الفن، وهذه هي السينما، تلك الساحرة التي تستحق منا كل هذا الاهتمام والاحتفاء، لأنها تؤثر فينا بشكل لم نعهده من قبل، وتضفي على حياتنا ووجودنا الهش قيمة ومعنى.

تعليقات فيس بوك

اضافة تعليق

قد يعجبك ايضا أكثر من مؤلف

Loading...